أحمد زكي صفوت
369
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
كرها « 1 » ، وبعد أن كان أنف « 2 » الإسلام كلّه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله حربا . وذكرت أنى قتلت طلحة والزبير ، وشرّدت بعائشة ، ونزلت المصرين ، وذلك أمر غبت عنه ، فلا عليك ، ولا العذر فيه إليك . وذكرت أنك زائري في المهاجرين والأنصار ، وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك « 3 » ، فإن كان فيك عجل فاسترفه « 4 » ، فإني إن أزرك فذلك جدير أن يكون اللّه إنما بعثني إليك للنّقمة منك ، وإن تزرني فكما قال أخو بنى أسد :
--> ( 1 ) خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سنة ثمان لفتح مكة في جيش عدته عشرة آلاف مقاتل ، ومضى حتى نزل مر الظهران ، فأمر أصحابه أن يوقدوا النار ، وبعثت قريش أبا سفيان وحكيم ابن حزام وبديل بن ورقاء يتجسون الأخبار ، وسمع العباس بن عبد المطلب أبا سفيان وهو يقول لبديل : ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا ، فعرف صوته ، فقال له : واللّه لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول اللّه فأستأمنه لك ، فركب خلفه ورجع صاحباه ، حتى مر به عمر بن الخطاب فلما رآه على عجز البغلة ، قال : أبو سفيان عدو اللّه ! الحمد للّه الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، وخرج يشتد نحو رسول اللّه ، وقال له : دعني فلأضرب عنقه ، فقال العباس : يا رسول اللّه إني قد أجرته ، وأكثر عمر في شأنه ، فقال رسول اللّه : اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به ، فلما أصبح غدا به إلى رسول اللّه ، فقال له : ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا اللّه ؟ قال : بأبى أنت ما أحلمك وأكرمك وأو صلك ، واللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه إله غيره لقد أغنى عنى شيئا بعد ، قال : ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول اللّه ؟ قال : بأبى أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، أما هذه واللّه فإن في النفس منها حتى الآن شيئا بعد ، فقال له العباس : ويحك ! أسلم واشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه قبل أن تضرب عنقك ، فتشهد وأسلم ، فقال العباس : يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا ، فقال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن - انظر سيرة ابن هشام 2 : 267 وشرح ابن أبي الحديد م 4 ص 208 وقد أسلم معاوية يوم الفتح كما قدمنا . ( 2 ) أنف كل شئ : أوله ، أي وبعد أن كان من أسلم منكم محاربا لرسول اللّه طوال أول الإسلام ، وقد كان أبو سفيان قائد الجيوش الغازية لرسول اللّه يوم أحد والخندق وأنف هنا منصوب على الظرفية واسم كان ضمير مستتر يعود على مسلمكم . ( 3 ) هو يزيد بن أبي سفيان أسر يوم الفتح كما قدمنا ، وقد أسر أيضا أخوه عمرو بن أبي سفيان يوم بدر - انظر سيرة ابن هشام 2 : 31 - ولكن ليس هو المراد هنا كما جاء في تفسير الأستاذ الشيخ محمد عبده ، لقوله « وقد انقطعت الهجرة » . ( 4 ) أي فكن ذا رفاهية واسترح ولا ترهقن نفسك بالعجل فلابد من تلاقينا ، فأي حاجة بك إلى أن تعجل ؟